ابن كثير

109

البداية والنهاية

شهيدا ) [ النساء : 155 - 159 ] فأخبر تعالى أنه رفعه إلى السماء بعدما توفاه بالنوم على الصحيح المقطوع به وخلصه ممن كان أراد أذيته من اليهود الذين وشوا به إلى بعض الملوك الكفرة في ذلك الزمان . قال الحسن البصري ومحمد بن إسحاق : كان اسمه داود بن نورا ( 1 ) فأمر بقتله وصلبه ، فحصروه في دار ببيت المقدس وذلك عشية الجمعة ليلة السبت ، فلما حان وقت دخولهم ألقى شبهه على بعض أصحابه الحاضرين عنده ورفع عيسى من روزنة [ من ] ( 2 ) ذلك البيت إلى السماء وأهل البيت ينظرون ودخل الشرط فوجدوا ذلك الشاب الذي ألقى عليه شبهه فأخذوه ظانين أنه عيسى فصلبوه ووضعوا الشوك على رأسه إهانة له ، وسلم لليهود عامة النصارى الذين لم يشاهدوا ما كان من أمر عيسى أنه صلب وضلوا بسبب ذلك ضلالا مبينا كثيرا فاحشا بعيدا . وأخبر تعالى بقوله : ( وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ) أي بعد نزوله إلى الأرض في آخر الزمان قبل قيام الساعة فإنه ينزل ويقتل الخنزير ، ويكسر الصليب ، ويضع الجزية ، ولا يقبل إلا الاسلام . كما بينا ذلك بما ورد فيه من الأحاديث عند تفسير هذه الآية الكريمة من سورة النساء وكما سنورد ذلك مستقصى في " كتاب الفتن والملاحم " عند أخبار المسيح الدجال فنذكر ما ورد في نزول المسيح المهدي عليه السلام من ذي الجلال لقتل المسيح الدجال الكذاب الداعي إلى الضلال . وهذا ذكر ما ورد في الآثار في صفة رفعه إلى السماء : قال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن سنان ، حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء خرج على أصحابه وفي البيت اثنا عشر رجلا منهم من الحواريين ، يعني فخرج عليهم من عين في البيت ورأسه يقطر ماء فقال [ لهم ] : إن منكم من يكفر بي اثني عشرة مرة بعد أن آمن بي ، ثم قال : أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني فيكون معي في درجتي ؟ فقام شاب من أحدثهم سنا فقال له : اجلس ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال [ أنا : فقال عيسى ] ( 3 ) اجلس . ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال أنا . فقال : أنت هو ذاك . فألقى عليه شبه عيسى ، ورفع عيسى من روزنة في البيت إلى السماء . قال وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبه فقتلوه ثم صلبوه فكفر به بعضهم اثني عشرة مرة بعد أن آمن به وافترقوا ثلاث فرق ، فقالت طائفة : كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء . وهؤلاء اليعقوبية . وقالت فرقة كان فينا ابن الله ما شاء ثم رفعه الله إليه وهؤلاء النسطورية ، وقالت فرقة : كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء ثم رفعه الله إليه ، وهؤلاء المسلمون . فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها فلم يزل الاسلام طامسا حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم . قال ابن عباس وذلك قوله تعالى : ( فأيدنا الذين آمنوا على

--> ( 1 ) في الطبري : كان الملك اسمه : هيرودس الصغير . ( 2 ) سقطت من نسخ البداية المطبوعة . وروزنة : كوة ; وفي رواية : سقف البيت . ( 3 ) ما بين معكوفين في الحديث زيادة من تفسير القرطبي .